فخر الدين الرازي
125
تفسير الرازي
بيّن أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : الفائدة الأولى : قوله * ( ذلكم أقسط عن الله ) * وفي قوله * ( ذلكم ) * وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله * ( أن تكتبوه ) * لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى * ( أقسط عند الله ) * أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : * ( إن الله يحب المقسطين ) * ( الممتحنة : 8 ) ( الحجرات : 9 ) ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : * ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ) * ( الجن : 15 ) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : * ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) * ( الأحزاب : 5 ) أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . والفائدة الثانية : قوله * ( أقوم للشهادة ) * معنى * ( أقوم ) * أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج . فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم . واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعاراً بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . والفائدة الثالثة : هي قوله * ( وأدنى أن لا ترتابوا ) * يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو كذباً ، وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب . ثم قال تعالى : * ( إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( إلا ) * فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما